ابن عجيبة
44
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
( مشكاة الأنوار ) ، وكلامه فيه يدور على أن معنى اسمه تعالى « النور » : يرجع إلى ما ثبتت به الأشياء وظهرت من العدم ، ولذلك قال قائلهم : فالنّور يظهر ما ترى من صورة * وبه ظهور الكائنات بلا امتراء وفي لطائف المنن : اللّه نور السماوات والأرض ؛ نور سماوات الأرواح بمشاهدته ، ونور أرض النفوس بمطالعته وخدمته ، وجعل قلوب أوليائه مجلاة لذاته ولظهور صفاته ، أظهرهم ليظهر فيهم خصوصا ، وهو الظاهر في كل شئ عموما ، ظهر فيهم بأنواره وأسراره ، كما ظهر فيهم ، وفيما عداهم بقدرته واقتداره . ه . ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 38 ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) قلت : ( في بيوت ) : يتعلق بمشكاة ، أي : كائنة في بيوت ، أو توقد ، أو بيسبح ، أي : يسبح له رجال في بيوت ، وفيه تكرير ؛ لزيادة التأكيد ، نحو : زيد في الدار جالس فيها ، أو بمحذوف ، أي : سبّحوا في بيوت . و ( أذن ) : نعت له . يقول الحق جل جلاله : وذلك النور الذي في المشكاة يكون فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ، وهي المساجد والزوايا المعدّة لذكر اللّه والصلاة وتلاوة القرآن . ورفعها : تعظيمها . أي : التي أمر اللّه بتعظيمها ؛ كتطهيرها من الخبث ، وتنقيتها من القذى ، وتعليق القناديل ونصب الشموع ، ويزاد التعظيم في شهر رمضان . ومن تعظيمها : غلقها في غير أوقات الصلاة ، وقيل المراد برفعها : بناؤها ، كقوله تعالى : . . بَناها رَفَعَ سَمْكَها . . « 1 » ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ « 2 » ، والأول أصح . وَ أذن أيضا أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، وهو عام في جميع الذّكر ، مفردا أو جماعة ، ويدخل فيه تلاوة القرآن . يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي : يصلى له فيها بالغداة : صلاة الفجر ، والآصال : صلاة الظهر
--> ( 1 ) من الآيتين : 27 - 28 من سورة النازعات . ( 2 ) من الآية 127 من سورة البقرة .